أبي منصور الماتريدي
132
تأويلات أهل السنة ( تفسير الماتريدي )
يعذب على الصغائر ؛ لأن رسول الله صلّى اللّه عليه وسلم مع من سبقه من الأنبياء - عليهم السلام - قد عصموا عن ارتكاب الكبائر ؛ فلا يجوز أن يرتكبوا الكبائر فيهلكوا لأجلها ؛ فثبت أنهم لو أهلكوا لأهلكوا بالصغائر ، فلو « 1 » لم يكن لله - تعالى - أن يعذب أهل الصغائر ، لصار هو بإهلاكه إياه بمن معه جائرا ظالما ، وجل الله تعالى عن الوصف بالجور ، وقال - تعالى - : لِيَغْفِرَ لَكَ اللَّهُ ما تَقَدَّمَ مِنْ ذَنْبِكَ وَما تَأَخَّرَ [ الفتح : 2 ] ، ولو لم يكن لله - تعالى - أن يعذب على « 2 » الصغائر أحدا ، لم يكن له على رسوله صلّى اللّه عليه وسلم موضع الامتنان بما غفر له ما تقدم من ذنبه وما تأخر . ثم الحق أن يقال : إن جميع الخوارج والمعتزلة لا يجوز أن يغفر الله تعالى لهم ؛ لارتكابهم « 3 » الكبائر ، وإنما هذا الرجاء الذي ذكرنا لغيرهم من منتحلي الإسلام ؛ لأنهم يقولون : لا يجوز أن يغفر الله تعالى لأهل الكبائر ، ولا أن يتطول عليهم بالعفو ، بل حق أمثالهم أن يخلدوا في النار أبد الآبدين ، وإذا كان هذا هو الحكم فيهم ، فالله تعالى إن غفر لهم ومن عليهم بالعفو ، وقع عندهم أنه إنما عفا عنهم ؛ لأن الذين ارتكبوا من المآثم لم تكن كبائر بل كانت صغائر ؛ إذ لا يجوز المغفرة عن الكبائر ؛ فيحصل العفو في غير موضعه والإحسان في غير موقعه ، وأما غيرهم من منتحلي الإسلام فهم يرجون عفوه وسعة رحمته في كل آثامهم « 4 » ، فإذا تفضل عليهم بالمغفرة وقع العفو عندهم موقعه ؛ فلا يكون فيه تضييع الإحسان ، تعالى الله عما يقول الظالمون علوّا كبيرا . ثم [ قوله عزّ وجل ] « 5 » : قُلْ أَ رَأَيْتُمْ إِنْ أَهْلَكَنِيَ اللَّهُ وَمَنْ مَعِيَ . أي : قل إن أهلكني الله ومن معي بما سبق من الأجرام والزلات ، أو رحمنا بما سبق منا من الإيمان به والانقياد لأمره والخضوع لطاعته ، فَمَنْ يُجِيرُ الْكافِرِينَ أي : أي شيء يجير الكافرين من عذابه ، ولم يسبق منهم إلى ربهم حسنة يرحمون لأجلها ، ولا طاعة يستوجبون الغفران بها ؟ ! أو فمن يجيرهم من عذاب الله تعالى إن حل بهم ؟ ! فكأنه قيل له : [ قل لهم ] « 6 » : هذا لأنهم كانوا يعبدون الأصنام ؛ رجاء أن تنصرهم من العذاب [ الأليم ] « 7 » ، فيقول : لا تجيرهم تلك الأصنام من العذاب الأليم ، والله أعلم .
--> ( 1 ) في أ : فلم . ( 2 ) في أ : عن . ( 3 ) في ب : بارتكابهم . ( 4 ) في أ : أيامهم . ( 5 ) سقط في ب . ( 6 ) في ب : يحل به . ( 7 ) سقط في ب .